علي داود
03-20-2010, 02:51 AM
كلمة في الاخلاق الاجتماعيّة
بقلم: محب المهدي
لا أريد في هذا الموضوع أن أتكلم عن الاخلاق من منطلق فلسفي منطقي، وانما من منطلق اجتماعي. يعني أريد أن أتحدث عن الأخلاق وأربطها بما هو واقع في المجتمع، وبما يعمله الناس فقط.
ولابدّ من اعطاء تعريف معيّن لكلمة الأخلاق التي نحن بصدد الحديث عنها هنا، فأقول بالأخلاق أعني العادات والتقاليد وكل فعل يمكن أن نطلق عليه حسن أو قبيح سواء من أي منظور.
الأخلاق والثقافة
هل الأخلاق لها ارتباط بثقافة صاحبها أم لا؟ هل المتحضّر وساكن المدينة يتصرّف بطريقة مختلفة عن البدويّ الذي يعيش في الصّحراء؟.
ربّما يكون مخالفا للواقع الملموس انكار هذه الحقيقة، حقيقة ارتباط الأخلاق وتصرّفات الانسان بثقافته وظروفه والبيئة التي يعيش فيها. فالبدوي الذي يعيش في الصّحراء مع قبيلته يختلف عن المتحضّر الذي يعيش في مدينة المؤسّسات ونظام المؤسّسات.
البدوي يعتبر كل شؤون القبيلة شؤونه، وكل مشاكلها مشاكله، وهو معها في الحرب والسّلم، ولذلك قال قائلهم قديما: وما أنا الا من غزيّة ان غزت أغزو، وان ترشد غزيّة أرشد.
وللطّبيعة الصحرواية القاسية يكوّن هذا البدوي معنى خاص به للرجولة والخنوثة. فالرجولة عنده تعني القوّة وحدّ السّيف، فهو لا يرى في نهب القبائل الأخرى وسبي أعراضها وقتل رجالها، لأجل العشب والماء، او أيّ سبب آخر، تناقضا مع مفهوم الرجولة. كما يرى أنّ اكرام الضيف والعفو عند المقدرة من مصاديق الرجولة والقوّة. أمّا الخنوثة عند البدوي فهي في مثل مجالسة النساء والاستسلام للعدوّ وعدم طلب الثأر حتّى الموت.
أمّا المتحضّر المؤسّساتي فعنده أمور شخصيّة لا يرضى أن يتدخّل فيها أحد، وعنده أمور عامّة هي أمور النّظام أو الدّولة، فهو ليس كالبدويّ كتاب مفتوح لكلّ أفراد النّظام الذي ينتمي اليه.
ومفهوم الرجولة والخنوثة عند هذا المتحضّر ينقلب رأسا على عقب، فهو ولاستقراره وثباته في محلّ واحد يرى أن الرّجولة في الابداع والاختراع والعمل والفنّ، ويرى الخنوثة في مثل قيد حرّية التّعبير عن الرأي.
البدويّ يقول: صوتك لا يسمع الا اذا رفعته، والمتحضّر يقول: رفع الصّوت دليل على ضعف الحجّة!.
وهذا الاختلاف، اختلاف البدوي والمتحضّر في الأخلاق، يمكن أن نشاهده بين أطراف أخرى. مثلا يمكن أن نشاهده بين قبيلة زيد وقبيلة عمرو في ولاية ما، ويمكن أن نشاهده بين الشّيعي والسّني كذلك.
الاخلاق والتّمذهب الباطل
أذكر في الصفّ السادس الابتدائي، كنت أمشي في الفسحة مع أحد أصدقائي الاباضيين، والتقيت بأحد الأصدقاء من حارتي، وكان في مثل سنّي تقريبا، يعني 12 سنة، فوقفت لأكالمه بضع دقائق، فهمس في أذني: هل هذا الذي تمشي معه عجمي؟ وطبعا هو كان يقصد: هل هو شيعيّ؟!.
ومرّة أخرى وبعد أن كبرنا، وعمّرنا حوالي 19 سنة، حدثت لي حادثة مشابهة، ومع نفس هذا الصّديق. حيث كنّا راجعين من المدرسة في باص أحد الأساتذة الأباضيين (المطاوعة) في شهر رمضان، والذي وقّف باصه قرب احدى المحلات ونزل ليشتري شيئا، وبينما هو كذلك دار حديث بيني وبين صديقي هذا، وكان من ضمن ما قاله لي: لايغرّنّك أشكال هؤلاء، فهم يبطنون غير ما يظهرون!.
ولا أريد بذكر هذين المثالين ان أتّهم صديقي هذا بالتّمذهب الباطل المتعمّد، ولكنّه تمذهب باطل وان لم يكن متعمّدا!.
من احدى بؤس التّمذهب: ضياع الأخلاق!. ولعلّها البائسة الرئيسيّة وكل البؤس الأخرى فروع هذه البائسة. فالشّيعي لا يثق الاّ في الشّيعي، ويعتبر أفراد بقيّة المذاهب وخاصّة (المطاوعة) منهم يبطنون غير ما يظهرون، فيقوم هو بمثل ما يعتقد أنهم يقومون به، فيظهر غير ما يبطن، وتتكوّن بالتّالي عنده شخصيّتين، كالمنافق، يقابل بأحداهما أبناء مذهبه، ويواجه بالأخرى أبناء المذاهب الأخرى.
كما أنّ من احدى مصاديق النفاق الناتج من التمذهب، محاولة كل فرد جذب الآخر الى مذهبه بالمراوغة واظهار الودّ والتسامح وعدم التعصّب، والباس هذه الطّريقة ثوب الشرعيّة بقاعدة: الغاية تبرّر الوسيلة، فأنا لا أريد له الا الخير، والخير كلّه موجود في مذهبي!.
ان التعصّب المذهبي والطائفيّة – التي هي من مصاديق التّمذهب الباطل - والتعصّب البدويّ هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، فالطائفيّة ليست دينا انّما هي نوع من الانتماء القبليّ الى مذهب أو شخص معيّن، والفرد الطّائفيّ حين يتعصّب لمذهبه لا يهتمّ بما في المذهب من مباديء خلقيّة او روحيّة فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكلّ ما يهتمّ به ما يوحي به التعصّب من ولاء لجماعته وعدائه لغيرهم، انّه بعبارة أخرى ينظر الى طائفته كما ينظر البدويّ الى قبيلته!.
يتبع..
بقلم: محب المهدي
لا أريد في هذا الموضوع أن أتكلم عن الاخلاق من منطلق فلسفي منطقي، وانما من منطلق اجتماعي. يعني أريد أن أتحدث عن الأخلاق وأربطها بما هو واقع في المجتمع، وبما يعمله الناس فقط.
ولابدّ من اعطاء تعريف معيّن لكلمة الأخلاق التي نحن بصدد الحديث عنها هنا، فأقول بالأخلاق أعني العادات والتقاليد وكل فعل يمكن أن نطلق عليه حسن أو قبيح سواء من أي منظور.
الأخلاق والثقافة
هل الأخلاق لها ارتباط بثقافة صاحبها أم لا؟ هل المتحضّر وساكن المدينة يتصرّف بطريقة مختلفة عن البدويّ الذي يعيش في الصّحراء؟.
ربّما يكون مخالفا للواقع الملموس انكار هذه الحقيقة، حقيقة ارتباط الأخلاق وتصرّفات الانسان بثقافته وظروفه والبيئة التي يعيش فيها. فالبدوي الذي يعيش في الصّحراء مع قبيلته يختلف عن المتحضّر الذي يعيش في مدينة المؤسّسات ونظام المؤسّسات.
البدوي يعتبر كل شؤون القبيلة شؤونه، وكل مشاكلها مشاكله، وهو معها في الحرب والسّلم، ولذلك قال قائلهم قديما: وما أنا الا من غزيّة ان غزت أغزو، وان ترشد غزيّة أرشد.
وللطّبيعة الصحرواية القاسية يكوّن هذا البدوي معنى خاص به للرجولة والخنوثة. فالرجولة عنده تعني القوّة وحدّ السّيف، فهو لا يرى في نهب القبائل الأخرى وسبي أعراضها وقتل رجالها، لأجل العشب والماء، او أيّ سبب آخر، تناقضا مع مفهوم الرجولة. كما يرى أنّ اكرام الضيف والعفو عند المقدرة من مصاديق الرجولة والقوّة. أمّا الخنوثة عند البدوي فهي في مثل مجالسة النساء والاستسلام للعدوّ وعدم طلب الثأر حتّى الموت.
أمّا المتحضّر المؤسّساتي فعنده أمور شخصيّة لا يرضى أن يتدخّل فيها أحد، وعنده أمور عامّة هي أمور النّظام أو الدّولة، فهو ليس كالبدويّ كتاب مفتوح لكلّ أفراد النّظام الذي ينتمي اليه.
ومفهوم الرجولة والخنوثة عند هذا المتحضّر ينقلب رأسا على عقب، فهو ولاستقراره وثباته في محلّ واحد يرى أن الرّجولة في الابداع والاختراع والعمل والفنّ، ويرى الخنوثة في مثل قيد حرّية التّعبير عن الرأي.
البدويّ يقول: صوتك لا يسمع الا اذا رفعته، والمتحضّر يقول: رفع الصّوت دليل على ضعف الحجّة!.
وهذا الاختلاف، اختلاف البدوي والمتحضّر في الأخلاق، يمكن أن نشاهده بين أطراف أخرى. مثلا يمكن أن نشاهده بين قبيلة زيد وقبيلة عمرو في ولاية ما، ويمكن أن نشاهده بين الشّيعي والسّني كذلك.
الاخلاق والتّمذهب الباطل
أذكر في الصفّ السادس الابتدائي، كنت أمشي في الفسحة مع أحد أصدقائي الاباضيين، والتقيت بأحد الأصدقاء من حارتي، وكان في مثل سنّي تقريبا، يعني 12 سنة، فوقفت لأكالمه بضع دقائق، فهمس في أذني: هل هذا الذي تمشي معه عجمي؟ وطبعا هو كان يقصد: هل هو شيعيّ؟!.
ومرّة أخرى وبعد أن كبرنا، وعمّرنا حوالي 19 سنة، حدثت لي حادثة مشابهة، ومع نفس هذا الصّديق. حيث كنّا راجعين من المدرسة في باص أحد الأساتذة الأباضيين (المطاوعة) في شهر رمضان، والذي وقّف باصه قرب احدى المحلات ونزل ليشتري شيئا، وبينما هو كذلك دار حديث بيني وبين صديقي هذا، وكان من ضمن ما قاله لي: لايغرّنّك أشكال هؤلاء، فهم يبطنون غير ما يظهرون!.
ولا أريد بذكر هذين المثالين ان أتّهم صديقي هذا بالتّمذهب الباطل المتعمّد، ولكنّه تمذهب باطل وان لم يكن متعمّدا!.
من احدى بؤس التّمذهب: ضياع الأخلاق!. ولعلّها البائسة الرئيسيّة وكل البؤس الأخرى فروع هذه البائسة. فالشّيعي لا يثق الاّ في الشّيعي، ويعتبر أفراد بقيّة المذاهب وخاصّة (المطاوعة) منهم يبطنون غير ما يظهرون، فيقوم هو بمثل ما يعتقد أنهم يقومون به، فيظهر غير ما يبطن، وتتكوّن بالتّالي عنده شخصيّتين، كالمنافق، يقابل بأحداهما أبناء مذهبه، ويواجه بالأخرى أبناء المذاهب الأخرى.
كما أنّ من احدى مصاديق النفاق الناتج من التمذهب، محاولة كل فرد جذب الآخر الى مذهبه بالمراوغة واظهار الودّ والتسامح وعدم التعصّب، والباس هذه الطّريقة ثوب الشرعيّة بقاعدة: الغاية تبرّر الوسيلة، فأنا لا أريد له الا الخير، والخير كلّه موجود في مذهبي!.
ان التعصّب المذهبي والطائفيّة – التي هي من مصاديق التّمذهب الباطل - والتعصّب البدويّ هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، فالطائفيّة ليست دينا انّما هي نوع من الانتماء القبليّ الى مذهب أو شخص معيّن، والفرد الطّائفيّ حين يتعصّب لمذهبه لا يهتمّ بما في المذهب من مباديء خلقيّة او روحيّة فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكلّ ما يهتمّ به ما يوحي به التعصّب من ولاء لجماعته وعدائه لغيرهم، انّه بعبارة أخرى ينظر الى طائفته كما ينظر البدويّ الى قبيلته!.
يتبع..