الصريح
09-02-2010, 09:00 AM
رمضان.. وتفريغ المحتوى
سعيد حارب
2010-08-30
عاد الطفل من مدرسته ليقول لوالده: يا أبي لقد جاءنا اليوم مدرس مكسيكي، فاستغرب الأب من ذلك وسأل ابنه: كيف عرفت أنه مكسيكي؟ فقال الطفل: لأنه يتكلم مثل المسلسل!!، ففهم الأب أن المدرس يتكلم اللغة العربية الفصحى، فبتأثير المسلسلات المكسيكية المدبلجة باللغة العربية استطاعت القنوات الفضائية أن تقنع «الطفل» بذلك، ويبدو أن تلك القنوات لم «تقلب» اللغة العربية لتكون لغة «أهل المكسيك» فقط، بل أصبحت وسيلة لتفريغ كثير من المعاني والمصطلحات من محتواها، فحجم ما يقدم من مسلسلات، وخاصة في رمضان، لا يستطيع أن يجعل اللغة العربية لغة المكسيكيين، بل أن يجعل العرب من الهنود الحمر!!، فهناك أكثر من ثلاثة آلاف ساعة من المسلسلات يتم بثها خلال شهر رمضان المبارك، أي أن المشاهد يحتاج إلى 100 ساعة في اليوم ليشاهد هذا الكمّ الهائل من المسلسلات التي تم إنتاجها «بغزارة» كما تقول الصحف، فهناك 30 مسلسلا خليجيا، بينما أنتج السوريون 36 مسلسلا تلفزيونيا تعرض في هذا الشهر، وقد تفوقت المسلسلات المصرية حيث بلغت 60 مسلسلا!!
ولا يعلم أحد لماذا هذا التركيز المفرط لعرض هذه المسلسلات في شهر رمضان المبارك، ولعل الإجابة المباشرة، أن اختيار هذا الشهر للعرض قائم على طلب السوق، حيث تطول ساعات الاستراحة للمشاهدين فتمتد من بعد الظهر إلى الفجر، مما يعنى ارتفاع نسبة المشاهدين، وارتفاع دخل القنوات الفضائية من الإعلانات التي أصبحت المصدر الأساسي لمعظم هذه القنوات، حتى القنوات الحكومية التي كانت تعتمد في السابق على الدعم الحكومي، فقد ذكرت إحدى الدراسات الصادرة من المؤسسة العربية للبحوث والدراسات الاستشارية أن حجم الإنفاق الإعلاني في الدول العربية بلغ العام الماضي نحو 3.6 مليار دولار بارتفاع نسبته %13 عن عام 2002، وتقول الدراسة إن سوق الإعلان تتضمن ثلاثة قطاعات رئيسية هي دول منطقة الخليج ودول المشرق العربي التي تضم مصر وسوريا ولبنان والأردن واليمن إلى جانب قطاع الوسائل الإعلامية العابرة للأقطار العربية. وقد احتلت دول الخليج الصدارة؛ حيث بلغ حجم الإنفاق الإعلاني في الدول الخليجية الست نحو 1.4 مليار أي حوالي %38.8 من الإجمالي، ولا شك أن أرقاما بهذا الحجم تغري «الزهاد» بالتعامل معها فكيف بشركات تسعى وراء الربح، لذلك يشتكي بعض المشاهدين من خلال الصحف والبرامج الإذاعية أن الإعلانات تطغى على المسلسلات، حتى قال أحدهم ساخراً: «إننا نشاهد إعلانات يتخللها مسلسل!!».
وإذا كان هذا الجانب يمثل وجها لعملة المسلسلات الرمضانية، فإن الوجه الآخر، الذي يحتاج إلى دراسات متخصصة، هو مدى تأثير هذه المسلسلات على المشاهدين، وبخاصة الصغار منهم، أو طبيعة هذه المسلسلات وما تحويه من مواد تتجاوز الحبكة الفنية إلى المعلومات المقدمة فيها، فهناك بعض المسلسلات التي تقدم معلومات خاطئة أو مشوهة للمشاهد، وبعض هذه المسلسلات يتناقض مع المرحلة الزمنية التي يتم تقديمها فيه، وهو شهر رمضان المبارك، فبعض المسلسلات التاريخية يتضمن مغالطات -كما أشارت بعض الصحف ومواقع الإنترنت- كما أن بعضها يتناقض مع روح الشهر الكريم، فالناظر لمحتوى معظم هذه المسلسلات يجد أنها لا تخرج عن إطار النواح أو العويل أو الخيانة أو الصراع العائلي، أو السخرية من الأشخاص، أو طرح قضايا لا علاقة لها بواقع المجتمعات، وقليل منها ما يعالج مشكلات المجتمع. لقد قام أحد الباحثين بدراسة لمسلسل يُعرض كل عام منذ سنوات عدة، ووجد أن هذا المسلسل قدم «مجتمعه» بصورة سلبية خلال معظم الحلقات، فمن بين ما يزيد عن 400 حلقة، لم يكن سوى سبع حلقات فقط تُظهر ذلك المجتمع بصورة إيجابية!!
إن دراسة علمية متخصصة تستقصي آراء المشاهدين، وما يريدون مشاهدته خلال شهر رمضان المبارك يمكن أن تبين مدى الحاجة لمراجعة هذه «الظاهرة» التي أصبحت من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تنفرد بها المنطقة العربية في شهر رمضان المبارك دون غيرها من المناطق التي يعيش فيها المسلمون، ويمكن لهذه الدراسة أن تحدد لراسم السياسة الإعلامية في الدول العربية الاتجاهات التي يجب أن تكون عليها برامج التلفزيون خلال هذا الشهر، بل في غيره من الشهور.
لقد استطاعت كثير من القنوات الفضائية أن تفرغ شهر رمضان من محتواه الروحي والإيماني بما تقدمه من برامج، فـ«سرقت» من الإنسان روحانيته خلال هذا الشهر، ولا يُعتدّ ببعض البرامج الدينية التي تقدم في أوقات محددة، وغالبا ما تكون قبل الإفطار وبعده، حيث «تنهمر» بعد ذلك المواد الإعلامية التي لا تمت إلى روحانية الشهر بصلة، وكأنها تقوم بمعادلة متناقضة، فما تقدمه خلال تلك الدقائق في البرامج الدينية، سريعا ما تهدمه بعد ذلك، كما لا يحتج أحد –كذلك– بالقول: إن من يريد مشاهدة البرامج الدينية يمكنه التحول إلى القنوات الدينية المتخصصة، إذ إن كثيرا من المشاهدين يحب أن يشاهد برامج متنوعة تجمع بين التوعية والتسلية، لكن ذلك لا يعني أن يكون «أسيراً» لرغبات الشركات المنتجة لتلك المسلسلات والبرامج، التي لا يحمل بعضها مضمونا، بل هي أقرب إلى «التهريج» أو «التجريب» الذي يذكرنا بالتمثيليات والمسرحيات التي كنا نقدمها عندما كنا طلابا في المدرسة!!
إن أحداً لا يطلب من القنوات الفضائية أن تلبس «العمامة» لكن لا أحد يقبل منها كذلك أن تلبس «القبعة» في هذا الشهر!!، وإذا كان الضحك في مجلس العزاء مذموماً، فإن البكاء ساعة الفرح مذموم كذلك، لقد استطاعت المسلسلات أن تجعل من اللغة العربية لغة مكسيكية، فهل يمكن أن تفرغ شهر رمضان من محتواه وتجعله شهرا للتسلية!!
منقول
سعيد حارب
2010-08-30
عاد الطفل من مدرسته ليقول لوالده: يا أبي لقد جاءنا اليوم مدرس مكسيكي، فاستغرب الأب من ذلك وسأل ابنه: كيف عرفت أنه مكسيكي؟ فقال الطفل: لأنه يتكلم مثل المسلسل!!، ففهم الأب أن المدرس يتكلم اللغة العربية الفصحى، فبتأثير المسلسلات المكسيكية المدبلجة باللغة العربية استطاعت القنوات الفضائية أن تقنع «الطفل» بذلك، ويبدو أن تلك القنوات لم «تقلب» اللغة العربية لتكون لغة «أهل المكسيك» فقط، بل أصبحت وسيلة لتفريغ كثير من المعاني والمصطلحات من محتواها، فحجم ما يقدم من مسلسلات، وخاصة في رمضان، لا يستطيع أن يجعل اللغة العربية لغة المكسيكيين، بل أن يجعل العرب من الهنود الحمر!!، فهناك أكثر من ثلاثة آلاف ساعة من المسلسلات يتم بثها خلال شهر رمضان المبارك، أي أن المشاهد يحتاج إلى 100 ساعة في اليوم ليشاهد هذا الكمّ الهائل من المسلسلات التي تم إنتاجها «بغزارة» كما تقول الصحف، فهناك 30 مسلسلا خليجيا، بينما أنتج السوريون 36 مسلسلا تلفزيونيا تعرض في هذا الشهر، وقد تفوقت المسلسلات المصرية حيث بلغت 60 مسلسلا!!
ولا يعلم أحد لماذا هذا التركيز المفرط لعرض هذه المسلسلات في شهر رمضان المبارك، ولعل الإجابة المباشرة، أن اختيار هذا الشهر للعرض قائم على طلب السوق، حيث تطول ساعات الاستراحة للمشاهدين فتمتد من بعد الظهر إلى الفجر، مما يعنى ارتفاع نسبة المشاهدين، وارتفاع دخل القنوات الفضائية من الإعلانات التي أصبحت المصدر الأساسي لمعظم هذه القنوات، حتى القنوات الحكومية التي كانت تعتمد في السابق على الدعم الحكومي، فقد ذكرت إحدى الدراسات الصادرة من المؤسسة العربية للبحوث والدراسات الاستشارية أن حجم الإنفاق الإعلاني في الدول العربية بلغ العام الماضي نحو 3.6 مليار دولار بارتفاع نسبته %13 عن عام 2002، وتقول الدراسة إن سوق الإعلان تتضمن ثلاثة قطاعات رئيسية هي دول منطقة الخليج ودول المشرق العربي التي تضم مصر وسوريا ولبنان والأردن واليمن إلى جانب قطاع الوسائل الإعلامية العابرة للأقطار العربية. وقد احتلت دول الخليج الصدارة؛ حيث بلغ حجم الإنفاق الإعلاني في الدول الخليجية الست نحو 1.4 مليار أي حوالي %38.8 من الإجمالي، ولا شك أن أرقاما بهذا الحجم تغري «الزهاد» بالتعامل معها فكيف بشركات تسعى وراء الربح، لذلك يشتكي بعض المشاهدين من خلال الصحف والبرامج الإذاعية أن الإعلانات تطغى على المسلسلات، حتى قال أحدهم ساخراً: «إننا نشاهد إعلانات يتخللها مسلسل!!».
وإذا كان هذا الجانب يمثل وجها لعملة المسلسلات الرمضانية، فإن الوجه الآخر، الذي يحتاج إلى دراسات متخصصة، هو مدى تأثير هذه المسلسلات على المشاهدين، وبخاصة الصغار منهم، أو طبيعة هذه المسلسلات وما تحويه من مواد تتجاوز الحبكة الفنية إلى المعلومات المقدمة فيها، فهناك بعض المسلسلات التي تقدم معلومات خاطئة أو مشوهة للمشاهد، وبعض هذه المسلسلات يتناقض مع المرحلة الزمنية التي يتم تقديمها فيه، وهو شهر رمضان المبارك، فبعض المسلسلات التاريخية يتضمن مغالطات -كما أشارت بعض الصحف ومواقع الإنترنت- كما أن بعضها يتناقض مع روح الشهر الكريم، فالناظر لمحتوى معظم هذه المسلسلات يجد أنها لا تخرج عن إطار النواح أو العويل أو الخيانة أو الصراع العائلي، أو السخرية من الأشخاص، أو طرح قضايا لا علاقة لها بواقع المجتمعات، وقليل منها ما يعالج مشكلات المجتمع. لقد قام أحد الباحثين بدراسة لمسلسل يُعرض كل عام منذ سنوات عدة، ووجد أن هذا المسلسل قدم «مجتمعه» بصورة سلبية خلال معظم الحلقات، فمن بين ما يزيد عن 400 حلقة، لم يكن سوى سبع حلقات فقط تُظهر ذلك المجتمع بصورة إيجابية!!
إن دراسة علمية متخصصة تستقصي آراء المشاهدين، وما يريدون مشاهدته خلال شهر رمضان المبارك يمكن أن تبين مدى الحاجة لمراجعة هذه «الظاهرة» التي أصبحت من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تنفرد بها المنطقة العربية في شهر رمضان المبارك دون غيرها من المناطق التي يعيش فيها المسلمون، ويمكن لهذه الدراسة أن تحدد لراسم السياسة الإعلامية في الدول العربية الاتجاهات التي يجب أن تكون عليها برامج التلفزيون خلال هذا الشهر، بل في غيره من الشهور.
لقد استطاعت كثير من القنوات الفضائية أن تفرغ شهر رمضان من محتواه الروحي والإيماني بما تقدمه من برامج، فـ«سرقت» من الإنسان روحانيته خلال هذا الشهر، ولا يُعتدّ ببعض البرامج الدينية التي تقدم في أوقات محددة، وغالبا ما تكون قبل الإفطار وبعده، حيث «تنهمر» بعد ذلك المواد الإعلامية التي لا تمت إلى روحانية الشهر بصلة، وكأنها تقوم بمعادلة متناقضة، فما تقدمه خلال تلك الدقائق في البرامج الدينية، سريعا ما تهدمه بعد ذلك، كما لا يحتج أحد –كذلك– بالقول: إن من يريد مشاهدة البرامج الدينية يمكنه التحول إلى القنوات الدينية المتخصصة، إذ إن كثيرا من المشاهدين يحب أن يشاهد برامج متنوعة تجمع بين التوعية والتسلية، لكن ذلك لا يعني أن يكون «أسيراً» لرغبات الشركات المنتجة لتلك المسلسلات والبرامج، التي لا يحمل بعضها مضمونا، بل هي أقرب إلى «التهريج» أو «التجريب» الذي يذكرنا بالتمثيليات والمسرحيات التي كنا نقدمها عندما كنا طلابا في المدرسة!!
إن أحداً لا يطلب من القنوات الفضائية أن تلبس «العمامة» لكن لا أحد يقبل منها كذلك أن تلبس «القبعة» في هذا الشهر!!، وإذا كان الضحك في مجلس العزاء مذموماً، فإن البكاء ساعة الفرح مذموم كذلك، لقد استطاعت المسلسلات أن تجعل من اللغة العربية لغة مكسيكية، فهل يمكن أن تفرغ شهر رمضان من محتواه وتجعله شهرا للتسلية!!
منقول